الشيخ محمد رشيد رضا

16

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وقد ورد ذكر الطبقات الثلاث من الصحابة في آخر سورة الأنفال وعبر فيه عن الطبقة الثالثة بقوله ( 8 : 75 وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ ) وذكرت في تفسيرها آيات سورة الحشر وقد عبر فيها عن الطبقة الثالثة بقوله ( 59 : 10 وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ ) الخ « 1 » ولا شك في مشاركة سائر المؤمنين لأولئك الصحابة الكرام في رضاء اللّه وثوابه بقدر اتباعهم لهم في الهجرة ان وجدت أسبابها ، والجهاد بالأموال والأنفس لنصرة الاسلام ، ومنها نصرته بالحجة والبرهان ، وفي سائر اعمال البر والاحسان ، وان الآيات تدل على ذلك في كل موضع ، لان الجزاء في حكم اللّه الحق وشرعه العدل على الاعمال ، وللسابقين في كل عمل فضيلة السبق والإمامة في كل عصر ، ويمتاز عصر الرسول الذي وجد فيه الاسلام وأقيم بنيانه ، ورفعت أركانه ، ونشرت في الخافقين أعلامه ، على كل عصر بعده ، وهم الأقلون المقربون كما قال تعالى ( 56 : 10 وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ( 11 ) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 12 ) * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 13 ) * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ ) هذه الشهادة من رب العالمين للطبقات الثلاث من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدمغ حقها باطل الروافض الذين يطعنون فيهم ، ويحثو التراب في أفواههم ، والذي سن لهم هذا الطعن في جمهورهم الأعظم عبد اللّه بن سبأ اليهودي الذي أظهر الاسلام لأجل ايقاع الشقاق بين المسلمين وإفساد أمرهم ، ثم نظم الدعوة لذلك زنادقة المجوس بعد فتح المسلمين لبلادهم ، كما بيناه مرارا . ثم جعل الرفض مذهبا ، له فرق ذات عقائد ، منها ما هو كفر صريح ، ومنها ما هو ابتداع قبيح . ومنها ما هو دون ذلك . وروي عن أبي صخر حميد بن زياد قال أتيت محمد بن كعب القرظي فقلت له ما قولك في أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ فقال : جميع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الجنة محسنهم ومسيئهم . فقلت من أين تقول هذا ؟ قال اقرأ قول اللّه تعالى ( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ - إلى أن قال - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا

--> ( 1 ) راجع ص 113 ج 10